هل علمتم أمة في جهلها…ظهرت في المجد حسناء الرداء؟

توقع الكاتب الليبي الراحل الصادق النيهوم في (الحديث عن المرأة والديانات)[1]،  أن يشهد المجتمع الليبي صراعا عنيفا، مشينا بين جيلين: جيل أمّيّ، ضاعت عليه فرص التعليم في خضم حالة اللا استقرار والإقصاء والتهميش والعزلة والصراع المريرمن أجل البقاء، وجيل زُجّ بأكمله في عملية تعليمية جماعية، حيث فـُتحت أمامه أبواب التعليم الجماعي، المجاني المنظم من خلال استحداث المدرسة، التي رآها النيهوم مستوردة من أوروبا بكل توابعها من مناهج تعليمية وإدارة ونظام أمتحانات وشهادات تمنح في نهاية كل  مرحلة. وقد عزا النيهوم أسباب ذلك الصراع إلى  إمكانية تنامي الهوة بين هذين الجيلين واتساعها طرديا مع تنامي دور المدرسة والمناهج التعليمية وما ترسخه في عقل الجيل الثاني من قيم ومبادئ وأنماط تفكير وسلوك تتناقض حتى النخاع مع قيم ومعتقدات وأنماط تفكير و سلوك الجيل الأمّيّ.

كان يمكن للمدرسة أن تخلق تلك التناقضات التي تعمل على تعميق الهوة بين الجيلين. ولكن المدرسة أخفقت في ذلك، ومظاهر التنوير التي طفت على سطح المجتمع، والتي أوجدت بعض التناقضات الطفيفة لم تجد طريقا لتتجذّر في تربة تعودت الأنغلاق والانكفاء، وبالنتيجة لم تخلق اختلافا كبيرا بين الجيلين ولم يشهد المجتمع الليبي ظاهرة صراع أجيال عنيفة كما توقعها النيهوم، مع استثناء حالات تبقى فردية، لكن على صعيد المجتمع لم ينشأ هذا الإختلاف الذي كان يمكن أن يؤدي إلى الصراع، بل ظل الصراع باطنا بين التخلف والتحديث….وكل مانراه الآن يؤكد فرضية أن المعركة حسمت لصالح التخلف وخسر التنوير الساحة ربما لقرن آخر.

هل أقول لماذا تراجع التحديث…أم أقول لماذا انتصر التخلف؟ وهل بدأ التحديث أصلا لكي يتراجع؟

لم يحدث تناقض في المواقف ولا في المنظومة العقائدية بين الجيل الأميّ والجيل المتعلـّم. لم نر المعركة التي توقعها الكاتب بين البنت الليبية التي تعلمت و أمها الأميـّة. فمثلا يقول النيهوم “البنت تذهب إلى المدرسة ولكن أمها مازالت جاهلة أي أن أخ تلك البنت قد ربته إمرأة جاهلة، وتعلـّم منها أن النساء كيدهن عظيم، وأن المرأة مصدر العار، وأن العار لايشين الرجل”[2]  وهل يتعلم الفرد أن النساء كيدهن عظيم من إمرأة جاهلة أمية؟ أم أن هناك مصادر أخرى مع تلك الجاهلة؟

هذه الأم الجاهلة هي أيضاَ من يقوم بتربية تلك البنت التي تذهب للمدرسة، وإذا كان ثمة تأثير لهذه الأم على ولدها فبلا شك تأثيرها أقوى على بنتها. ,أن كانت ستحشو في ذهن ابنها أن النساء كيدهن عظيم ولايؤمن جانبهن فقد قامت بعملية غسيل الدماغ ذاتها مع أبنتها في محاولة للإبقاء على حالة الاستلاب العقائدي وتغذيتها. وهكذا تبنـّت البنت المعتقد السائد عن أن المرأة ناقصة وغير ناضجة ذهنيا وأنها كائن خبيث ماكر لايمكن أن تكون محل ثقة. لقد ظلت تلك البنت تحت تأثير البيت ولم يبق لتأثير المدرسة والمناهج إلا مساحة قليلة وبالنتيجة فلم تقف البنت ضد  كل أفراد العائلة، لم تشذ عنهم، فهي نتاج لثقافة ذكورية تسلطية إقصائية، هي جزء من حالة إستلاب عقائدي تعيشه أمها وعاشته جداتها من قبل ويعيشه كل المجتمع، والذي يجعل المرأة توقن أنها كائن قاصر، وأن تقتنع بدونيتها تجاه الرجل و تؤمن أنه من واجبها الطاعة للأب وللأخ وللزوج. فالمعركة التي توقعها النيهوم لم تبدأ، ومساحة الحرية التي تمتعت بها بعض النساء في ليبيا جاءت هبة. مامن إمرأة في ليبيا بلغت مابلغت من تعليم ونالت من حرية إلا بقدر ما سمح لها البيت. ماسمعنا عن حالة صراع عنيفة خاضتها المرأة مطالبة بحقها في الاختيار واسقلالية القرار.

انتصر التخلف لإن ثقافة التسليم والخنوع والتبعية كانت أقوى وأعمق من أن يقتلعها أو يهددها منهج متداع، وافد وغريب. لم يؤدِ التعليم إلى خلق ذهنية علمية نقدية ولم يعمل على تنمية المقدرة لدى الفرد للسيطرة على الواقع والوجود. ففي الوقت الذي كانت غاية التعليم هي تنوير العقل عن طريق المناهج التعليمية، كانت أدوات تحقيق هذه الغاية من مدرسين وادارة ووزارة تفتقر للعقلية المنهجية، بل كانوا كأفراد مقيدين بأغلال إلى المجتمع وتقاليده وقوانينه التي تعمل دون كلل على مقاومة الإستقلال الفردي واجبار الفرد على الخضوع المطلق للجماعة واعرافها ومعتقداتها والذوبان فيها.

انتصر التخلف لإن الفرد خرج من البيت وهو طرف مقموع، غير مشارك وغير فاعل ولا أحد يسأله عن رأيه في أي شيء، بل خاضع لعملية إملاء للأوامر من سلطة لا تناقش، إلى المدرسة ليتحول إلى طرف مقموع، غير مشارك وغير فاعل وعليه تقبل كل ما يحشى في رأسه الصغير دون جدل أو نقاش أو نقد. يخرج من البيت المشبع بثقافة تسلط الأب إلى المدرسة ليبقى لعدد من الساعات تحت رحمة متسلط آخر هو المعلم والإدارة والترهيب بالضرب والفلقة واستدعاء ولي الأمر. فالمدرسة بمناهجها وإدارتها تكمل ما بدأه البيت من قمع للتفكير الجدلي المنهجي وتتواصل فيها المعركة التي شنها البيت ضد العقل.

وحيث أن المناهج التعليمية والمدرسة لم تنبع من ذات المجتمع فقد بقيت غريبة عن البيئة الحياتية للجيل الذي ذهب للمدرسة، ولإن القضايا التي تطرحها لا تعالج واقع المجتمع الذي يعيش فيه هذا الجيل. ولإن المواد التي يدرسها الطالب جاءت مستوردة من خارج المجتمع، تهتم بدراسة وتحليل ظواهر لم يشهدها المجتمع، فقد ظل التعليم واجهة و لم يندمج في شخصية الفرد. ظل بروش يعلق للزينة والتفاخر والتباهي وظلت الشهادة الممنوحة وسيلة للحصول على وظيفة في الدولة “إن العلم لا يشكل للعقل المتخلف أكثر من قشرة خارجية رقيقة يمكن أن تتساقط إذا تعرض هذا العقل للأهتزاز. إن العلم مازال في ممارسة الكثيرين لا يعدو أن يكون قميصا أو معطفا يلبسه حين يقرأ كتابا أو يدخل مختبرا أو يلقي محاضرة، ويخلعه في سائر الأوقات”[3] 

أوجبت العلاقة التسلطية، التي هي من أبرز خصائص المجتمع الليبي ومن في حكمه، أن يتم التعليم عن طريق التلقين، وهي طريقة موروثة من نظام الكتاتيب الذي كان يعتمد على ملقن؛ وهو شيخ يحفـّظ القرآن للطلاب ويلوح بعصاه مهددا بالفلقة كل من يتقاعس أو يظهر عدم مقدرة على الحفظ، ومتلقي؛   وهو طفل أو صبي يردد كالببغاء وراء الشيخ بشكل متكرر حتى يصاب بالدوار إلى أن يحفظ ويصم جزء لينتقل بعدها ليحفظ جزء آخر إلى أن يتم حفظ كل الأجزاء بكل طاعة وامتثال، ويكون بذلك قد أتم تعليمه عن طريق التلقين والوعيد والتهديد من جانب الشيخ، وبكل طاعة وامتثال وخضوع من جانب المتلقى، دون أن يكون قد طور أو سمح له بتطوير أي مقدرة على النقد والنقاش والتفكير المنهجي. كذلك كانت المدرسة، مورست فيها عملية التلقين وفرضت فيها العلاقة التسلطية التي تحكم المجتمع واصبحت تربة خصبة لغرس وتغذية ثقافة الإستبداد والإقصاء، ومن ثم إعادة انتاج هذه الثقافة في ثوب مبهرج تزينه الشهادات والألقاب.

هل يمنحنا التعليم أخلاقاً؟ وإلى أي مدى يخلق منّا أفراداً على درجة من العقلانية؟يرى غوستاف لوبون أن العديد من الفلاسفة، وخصوصا هيربرت سبنسر كانوا يستطيعون البرهنة بسهولة على أن التعليم لا يجعل الإنسان لا أكثر أخلاقية ولا أكثر سعادة، وإنه لايغيّر غرائزه وأهواءه الوراثية. وإذا ما طبق بشكل سيئ فإنه يصبح ضاراً أكثر مما هو نافع. فخطأ التعليم هو ارتكازه على فكرة سيكولوجية مفادها ان استذكار الكتب المدرسية يطور الذكاء أو يجعله يتفتح. وبناء على ذلك يجهد الطلاب في تعلم أكبر قدر من المواد والمعلومات واختزانها. وهكذا نجد أن الطالب الشاب ما ينفك من السنة الأولي وحتى الدكتوراه يبتلع مضمون الكتب بدون أن يشغّل عقله أو رأيه الشخصي. فالتعليم بالنسبة له يتمثل في الحفظ والطاعة. والدولة التي تخرّج بواسطة هذه الكتب المدرسية البائسة كل هؤلاء الطلاب لا تستطيع أن توظّف منهم إلا عددا صغيراُ، وتترك الآخرين بدون عمل. وبالتالي فعليها أن تقنع بإطعام الأولين، ووتترك الآخرين ليتحولوا إلى أعداء لها.[4]


[1]  النيهوم، الصادق، الحديث عن المرأة والديانات، (مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2002)

[2]  المرجع السابق، ص. 100

[3]  بدران، ابراهيم وسلوى الخمّاش، دراسات في العقلية العربية: الخرافة، (دار الحقيقة، بيروت، 1974)، ص. 174

[4]  بتصرف من غوستاف لوبون، سيكولوجيا الجماهير، ترجمة هاشم صالح، (دار الساقي، بيروت، 1997)، ص. 106 وما بعدها


About these ads

6 Comments

  1. بريكا أنت تعلمين جيدا أن الصادق النيهوم كان سابقا لعصره بعقود طويلة ونحن نفتقده الآن ونفتقد لأمثاله ولكن الليبية ولادة والحمدلله فلن يضيع الرجاء.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s